بسم الله الرحمن الرحيم
(الذكري الأولي لوفاه سمو الشيخ المغفور له بإذن الله جابر الأحمد الصباح)

في الخامس عشر من يناير 2006، استيقظت الكويت على بركان من الحزن أبكى العيون، وأدمى القلوب.. كانت حينها عقارب الساعة تشير الى الخامسة فجراً حينما هز نبأ رحيل أمير القلوب سمو الشيخ المغفور له بإذن الله جابر الاحمد الصباح عن دنيانا، فكان اليوم الأسود بحق.. اتشحت البلاد كلها بالقتامة ونكست الرؤوس ألما، وثقلت الخطى.. حتى الجدران تحسست عتمة صغاراً وكباراً.. رجالاً ونساء لم يستوعبوا وفاة جابر الخير، فكان موعدهم ساحة بجوار قصر دسمان احتضنوا أرضها، يترقبون سيارة تقل أميرهم الفقيد الى مثواه الأخير، حيث كان هناك آلاف من البشر يتدافعون الى تشييع سموه، فكان مشهداً مهيبا، ومنظراً راسخاً في الأذهان يعكس حب الرعية لقائدهم، ويرسم بكل بساطة، كم هو جابر السلام أمير بقيادته وتواضعه وبعد نظره، وقربه من شعبه.. فلذا كان المصاب جللا بقدر موقع علياء تبوأها فقيدنا، ومنزلة سامية لا تليق إلا بجابر عثرات الكويت، وسيد أفئدة اهلها.. وحبيب مواطنيها ومقيميها، وصاحب وجه إن غيبه الأجل المحتوم، فإنه لن يغيب وان طال الدهر عن مآق احتضنت صوته واسماع تربت على صورته وعقول تحن الى حكمته.
سنة مرت بالتمام والكمال على وفاة أمير القلوب.. غاب عنا جسده الطاهر، لكنه ماثل في ضمائرنا.. حي بسيرة عطرة خطها بأفعاله الطيبة، وصنائع من نور جسدت مدرسة سياسية واقتصادية واجتماعية هو معلمها وواضع منهجها، وملهم ادارتها، فتمكن بذلك من السير بالكويت وشعبها الى بر الأمان في أحلك الظروف وسود الليالي، حتى غدت البلاد في أمن وطمأنينة ورغد العيش، وما كان أحد يجرؤ على تصديق ما يرى.. فلولا جابر الحكمة ورائد القيادة.. ما كانت الكويت قادرة على تخطي صعاب وأزمات هددت سلامة أرضها وأصابت استقلالها وحريتها في الصميم.
هذا هو الراحل الكبير جابر الأحمد.. عاش بناء بلده منذ نعومة أظفاره، وتربى على الحكم الرشيد، فشب يافعاً نيّراً تنسب إليه إنجازات عظام.. فهو من خط أسس التنمية الحديثة، وهو من تفجر فكره، فاستبق المستقبل بالاستثمارات الخارجية وصندوق الاجيال القادمة.. مثلما كانت أفضاله في مناح كثيرة يصاب بالفشل من أراد حصرها.. فله في كل مجال مآثر ومآثر.
جابر الخير.. جابر القيم والتراث والأصالة، هو أيضا جابر الحضارة والتطور والانفتاح.. ترك لنا إرثا هو بحق نموذج لأي حاكم في كيفية إدارة الدولة، وقدوة في التعامل مع الشعب واحتواء المصائب ورعاية الحريات والديموقراطية.. جابر الكويت فعله ظاهر، وما خفي من طيبته وحسن عمله كثير.. فهل تجرؤ السنون على محوه من ذاكرتنا؟... هذا هو المستحيل بعينه.
جابر الأحمد الصباح.. سنة مرت على رحيلك، كأنها أمس.. حزننا باقي ودموعنا مسكوبة فسموك مثلما كنت.. ستظل في سنين آتية باقياً في القلوب فأنت الزعيم الذي لا ينسى والرجل الذي لا يعوض.
