العودة   منتدى عبير > عبير الادبية > القصص والروايات

القصص والروايات قصص, قصص قصيرة, رواية, روايات

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
  #1
قديم 06-11-2006, 03:21 AM
الصورة الرمزية عرباوى
عضو متألق
 
تاريخ التسجيل: Oct 2006
المشاركات: 312
معدل تقييم المستوى: 3
عرباوى عضو بدأ يبرز
قصه مؤثرة الواد عبدة الفران

قصه مؤثرة الواد عبدة الفران

استيقظت من النوم كالعادة على صياح أولاد حارتنا وهم يتبادلون الشتائم اليومية، وأصوات جمهور عم حسن "يستعطفونه" ويستجدونه أن يملأ قدورهم بالفول والسلاطات و"الذى منه".. وعلى الرغم من أن الرجل كان يقوم بكافة واجباته على أتم وجه في ملء الأطباق بسرعة ونشاط إلا أن مطالب الشعب لا تكف أبدا.. ربنا يكون في عونك يا عم حسن!

نهضت من السرير وأنا أقول عبارتي المأثورة " اصطبحنا وصبح الملك لله ".. غسلت وجهي واستعددت ليوم جديد افتتحه بطبق الفول المعتاد.. ولكني اكتشفت أن العِيش قد نفد من البيت.. أخذت خمسين قرشا من المحفظة، وانطلقت لفوري إلى الفرن قبل أن يجف بترول معدتي من بئر-أقصد قِدْرِة- عم حسن.. ونظرا لأن شارعنا تتفجر فيه ينابيع الصرف الصحي معظم أوقات السنة فقد تعود أهل الحارة أن يسيروا كلاعبات الباليه على تلك الجزر الصخرية المتناثرة وسط أنهار المجاري.. وبفضل تلك الرياضة اليومية أصبحت أم فتحي "بتاعة الجرجير والبقدونس" أكثر رشاقة من لاعبات "الأيروبكس"..

ما إن وصلْتُ إلى الشط.. حتى أسرعتُ الخُطا مرة أخرى متخطيا هؤلاء الصغار الذين تناثروا على جانبي الطريق في ثياب مبهدلة متسخة، وشَعْر "مقمل" ليشيعوا جوا من البؤس والجهل في الشارع.. لم أُعْطِ هذا الموقف المأساوي اليومي اهتماما، وواصلت طريقي وكأن شيئا لم يكن.

أخيرا وصلت إلى مُرادي، وانضممت إلى سور البشر العظيم الذي تراص أمام الفرن وأنا أشعر بخيبة أمل بأنني لن أتناول فطوري في موعده.. وما إن وقفت حتى جاء رجل يحمل قفصا كبيرا قاصدا الفرن.. قلت الحمد لله "إني جيت قبل منه" وإلاًّ كان "لطعني أكثر ما هاتلطع." ولكنه خيب ظني حين لم يعط أحدا اهتماما، وتخطانا جميعا ليعطي القفص لبائع الخبز قائلا له: "خد ياد يا سيد.. هات بخمسة جنيه." فتناول سيد القفص وأوصى بالانتهاء من هذا الطلب أولا.

أخذ الرجل القفص المكدس بالخبز المُحَسَّن، وما إن انصرف حتى جاءت امرأة من أهل المحسوبية والواسطة، وتخطتنا جميعا لتعطي "سيد بيه" قفصا مرفقا به 2.5 جنيه.. صمَّمت من ذلك الوقت أن أتعرف على سيد، وتمنيت أن يقبل صداقتي.. فإن سيدا في هذا الموقع الوظيفي الحساس يعد مركزا من مراكز القوى الشعبية.

وكان يقف خلفي رجل سمين للغاية.. يتحفني بأنفاسه الحارة اللاهثة التي ترتطم بمؤخرة رقبتي مع كل عملية زفير.. لتلهبها في هذا القيظ الشديد.. مضى الوقت طويلا ثقيلا دون أن نتحرك خطوة واحدة بسبب كثرة معارف سيد الذي كان يُنْهي مطالبهم أولاً بأول.. ومِنْ آن لآخر يظهر "بطل قومي" يطالب بحقوقنا في صرف حصص قُوتِنا القومي.. ولكنه لا يحظى بتأييد شعبي من أحد فينظر إليه سيد نظرة ساخرة يكتنفها الغيظ وكأنما يقول له: "إتْلَم بقه يا سي جيفارا؛ لَحْسَن أخللّي مصيرك زي مصيره"..

طال وقوفنا أمام الفرن ونحن كما نحن بلاحراك، وكأننا تماثيل متقنة الصنع قد تراصت وراء بعضها، وبدأت الغربان تحوم فوق رؤوسنا تستطلع الأمر.. حاولت أن أعطي الموقف شيئا من الحياة فنظرت خلفي استعطف هذا الشخص السمين الذي يقف خلفي أن يرحمني من سياط أنفاسه التي "عَلِّمت" (لا مؤاخذة يا جماعة!) على "قفايا".. ففوجئت به يحاول النظر من فوق كتفي يستطلع أخبار الفرن من الداخل.. وقال بصوت رفيع للغاية خرج من حنجرة غالبا ما ضاقت بفعل تراكم اللحم والشحم حولها: "همَّ بيعملوا إيه جوه؟".. وكنت حينما أسمع تلك العبارة أحاول أن أختلس النظر مرة أخرى إلى الرجل، وكأنما هو يحاول أن يبرر تطفل أنفاسه على "قف.." (بلاش!)، على مؤخرة رقبتي، فيقول دون أن يحول نظره ناحيتي: "همّ بيعملوا إيه جوه؟"

نظرا لذلك الفراغ الهائل الذي كنا نعانيه من طول الانتظار بدأ نوع من العلاقات الاجتماعية يربط بين أعضاء الطابور.. وكلنا يعلم ما تتمخض عنه العلاقات البشرية من خلاف وعراك، فنشبت خناقة كبيرة بين اثنين خرجا من الطابور.. فتقدمت خطوتين إلى الأمام، ولكن سرعان ما تصالحا وعادا إلى موقعهما سالميْن وسط جمهرة من محبي الصلح، فعدت أربع خطوات إلى الوراء لأرتطم بالرجل السمين الذي كان يقف خلفي فسقط على الأرض دفعة واحدة.. وكالسلحفاة نهض بصعوبة مرة أخرى على قدميه، وقال بصوت عال جاء حادا كالصفير: "الفرن بيطَلّع عيش كل ساعة ليه؟.. وكمان الولد اللي بيبيع عَمَّال يدِّي لقرايبه وأصحابه العيش اللي بيخرج ومش راضي يمشي بالدور"..

المفروض أن توزيع الخبز الحكومي المدعم يتم بإشراف من وزارة الداخلية.. لازم يبقى فيه عسكري
ولا اتنين يكونوا متواجدين في الفرن باستمرار، ويكونوا رقباء على بيع العيش حسب الدور.. بحيث لو حصل أي تقاعس منهم.. "نشتكيهم في القسم اللي تابعين له.. ولا إيه؟".. لم يعَلِّق أحد على تذمر الرجل سوى سيد الذي صاح غاضبا: "مش عاجبك روح فرن تاني !"

بدأت نظرات الحب والإعجاب تتراشق بين طابور الرجال وطابور النساء ونتج عن ذلك نتيجة اجتماعية أخرى تمثلت في عقد قران شاب على فتاة وكنت أنا واحدا من الشهود الذين وقعوا على العقد.. ولا أذكر كم مضى من الوقت حتى وصلت لأول الصف.. ولكن كل ما لفت نظري أن الخلاف قد دب بين العروسين ووقع الطلاق بحجة أن الزوج "قرف من عيشة مراته"!!!!!!!

أخرجت النقود من جيبي وما كدت أعطيها للبائع حتى سمعت ارتطاما قويا بالأرض، فنظرت خلفي لأجد الرجل السمين ملقى بلا حراك.. في المستشفى عرفت من التقرير الطبي أن السبب هبوط حاد في الدورة الدموية بسبب كثرة الوقوف، كاد أن يودي بحياة المريض الذي كان يعاني من السمنة المفرطة.. بعد أن اطمأننت على حالة الرجل ذهبت لشراء الخبز الذي سوف أتعشى به.. وعدت أدراجي مرة لأنضم لصفوف الشعب المصري.. أؤدي دوري القومي في شراء العيش مثلي مثل أي مواطن عادي.. بعد أن ضاعت فرصتي الماسية في الوصول لأول الطابور..
وكان يقف أمامي رجل فارع الطول.. حاولت أن أستطلع الأمر من فوق كتفيه.. فشعر بأنفاسي الفضولية تناوشه.. فرمقني بنظرة جانبية وكأنما يحذرني.. ووجدت نفسي أقول دون أن أحول نظري إليه:
"همَّ بيعملوا إيه جوه؟"

قصه مؤثرة الواد عبدة الفران

توقيع : عرباوى
الحمد لله الذي لايرجى إلا فضله
الله أكبر ليس كمثله شئ في الأرض ولا في السماء
وهو السميع البصير اللهم إني أسألك في صلاتي ودعائي
بركه تطهر بها قلبي وقلب من احب وتكشف بها كربي وتغفر بها ذنبي وتصلح بها أمري
قصه مؤثرة الواد عبدة الفران
قصه مؤثرة الواد عبدة الفران
رد مع اقتباس
  #2
قديم 06-11-2006, 08:01 PM
الصورة الرمزية ذكرى
عضو متألق
 
تاريخ التسجيل: Nov 2006
المشاركات: 316
معدل تقييم المستوى: 3
ذكرى عضو بدأ يبرز
رد: قصه مؤثرة الواد عبدة الفران

اشكرك عرباوىعلى هذه القصه الرائعة

اتمنى لك المزيد من التميز و الابداع

تقبلي فائق تقديري و احترامي


قصه مؤثرة الواد عبدة الفران

توقيع : ذكرى
قصه مؤثرة الواد عبدة الفران
قصه مؤثرة الواد عبدة الفران
رد مع اقتباس
  #3
قديم 06-11-2006, 11:08 PM
الصورة الرمزية سفيـــ المحبه ـــرة
عـضـو فعال
 
تاريخ التسجيل: Oct 2006
الدولة: بين دمعي وقلمي
المشاركات: 142
معدل تقييم المستوى: 3
سفيـــ المحبه ـــرة عضو بدأ يبرز
رد: قصه مؤثرة الواد عبدة الفران

اعجبتني القصه كثيرا

الشكر الجزيل لك

تحياتي ونتمنى المزيد

توقيع : سفيـــ المحبه ـــرة
قصه مؤثرة الواد عبدة الفران
رد مع اقتباس
  #4
قديم 07-11-2006, 06:41 PM
عـضـو فعال
 
تاريخ التسجيل: Oct 2006
المشاركات: 81
معدل تقييم المستوى: 3
عطيات عضو بدأ يبرز
رد: قصه مؤثرة الواد عبدة الفران

[FRAME="14 70"]
قصه رائعة
تقول مابين السطور
حكايات مؤثرة
مشكور اخوي الغالي /
عرباوى على كلماتك الجميله
عطيات
[/FRAME]
رد مع اقتباس
  #5
قديم 08-11-2006, 04:09 PM
الصورة الرمزية أموونة
عـضـو فعال
 
تاريخ التسجيل: Sep 2006
المشاركات: 39
معدل تقييم المستوى: 0
أموونة عضو بدأ يبرز
رد: قصه مؤثرة الواد عبدة الفران

[glint]شكراً على القصة الحلوة و كل عام و انتي بخير[/glint]

توقيع : أموونة
قصه مؤثرة الواد عبدة الفران
رد مع اقتباس
  #6
قديم 09-11-2006, 02:02 AM
Banned
 
تاريخ التسجيل: Oct 2006
المشاركات: 115
معدل تقييم المستوى: 0
الهاجري عضو بدأ يبرز
رد: قصه مؤثرة الواد عبدة الفران

اشكرك عرباوىعلى هذه القصه الرائعة

اتمنى لك المزيد من التميز و الابداع

تقبلي فائق تقديري و احترامي



الهاجري
رد مع اقتباس
  #7
قديم 11-11-2006, 11:42 PM
الصورة الرمزية عرباوى
عضو متألق
 
تاريخ التسجيل: Oct 2006
المشاركات: 312
معدل تقييم المستوى: 3
عرباوى عضو بدأ يبرز
رد: قصه مؤثرة الواد عبدة الفران

قصه مؤثرة الواد عبدة الفران

توقيع : عرباوى
الحمد لله الذي لايرجى إلا فضله
الله أكبر ليس كمثله شئ في الأرض ولا في السماء
وهو السميع البصير اللهم إني أسألك في صلاتي ودعائي
بركه تطهر بها قلبي وقلب من احب وتكشف بها كربي وتغفر بها ذنبي وتصلح بها أمري
قصه مؤثرة الواد عبدة الفران
قصه مؤثرة الواد عبدة الفران
رد مع اقتباس
إضافة رد

أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are معطلة
Pingbacks are معطلة
Refbacks are معطلة

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
امواج الغزل قناص القلوب العراقي بوح الخواطر 2 29-02-2008 02:25 PM
امواج موزع ابتسامات الشعر 12 27-10-2007 01:02 AM
امواج البحر سمو الصاحب بوح الخواطر 10 20-07-2007 07:14 PM
عازف الناي شاعر الحب والقلم الشعر 0 19-06-2007 01:12 PM


الساعة الآن 09:06 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.7.5
Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd.